11 ألف شيكل للبقاء
محمد حرارة
7/14/20261 دقيقة قراءة


في غزة، لم يعد الحديث عن الطعام والشراب متعلقاً بجودة الحياة أو تنوع الاحتياجات، بل بأبسط مقومات البقاء. فالعائلة المتوسطة تحتاج إلى نحو 2,800 شيكل أسبوعياً لتأمين سلة محدودة من المواد الأساسية، أي ما لا يقل عن 11,200 شيكل كل أربعة أسابيع.
هذه الأرقام لا تمثل حياة مريحة، ولا تشمل ترميم منزل أو شراء ملابس أو دفع تكاليف التعليم والعلاج والنزوح؛ إنها كلفة الحد الأدنى من الدقيق والأرز والزيت والسكر والخضراوات وبعض مستلزمات النظافة.
بحسب مؤشر غرفة تجارة وصناعة غزة، حُسبت السلة الأسبوعية على أساس احتياجات أسرة مكوّنة من 5.5 أفراد. وخلال النصف الأول من يونيو 2025، تراوحت قيمتها بين 2,342 و3,095 شيكلاً، بعدما كانت تكلفتها قبل الحرب أقل من 100 شيكل. كما تجاوز مؤشر ارتفاع الأسعار حاجز 3,200% في عدة أيام، وبلغ ذروته عند 3,348%.
لكن السؤال الأكثر قسوة ليس: كم تحتاج العائلة؟ بل: من أين تأتي بهذا المبلغ؟
آلاف العائلات فقدت أعمالها ومصادر دخلها ومدخراتها، فيما وصلت البطالة في قطاع غزة إلى مستويات كارثية. وقدّرت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني البطالة بنحو 68% خلال الربع الأخير من عام 2024، بينما بلغت بين الشباب نحو 80%.
نحن إذن أمام معادلة مستحيلة: عائلة تحتاج إلى أكثر من 11 ألف شيكل شهرياً كي تحصل على الحد الأدنى من احتياجاتها، بينما لا تمتلك دخلاً ثابتاً، ولا وظيفة، ولا مدخرات، وقد تضطر إلى دفع عمولات مرتفعة حتى تتمكن من سحب المساعدات النقدية التي تصل إليها.
إن ارتفاع الأسعار في غزة ليس غلاءً طبيعياً تسببت فيه الأسواق، بل نتيجة مباشرة لإغلاق المعابر، وشح السلع، وتعطل سلاسل التوريد، وتدمير الإنتاج الزراعي والمحلي. ولذلك فإن إرسال مبلغ محدود إلى عائلة في غزة قد يبدو كبيراً خارج القطاع، لكنه في داخله قد لا يكفي إلا لأيام قليلة.
المأساة لم تعد في عدم توفر الطعام وحده، بل في وجوده أحياناً بأسعار لا يستطيع الجائع دفعها. فالجوع في غزة لا يعني دائماً أن الأسواق فارغة؛ بل قد يعني أن الطعام أمام الناس، بينما جيوبهم فارغة تماماً.
ولهذا، فإن أي استجابة إنسانية حقيقية يجب ألا تكتفي بمساعدات رمزية لا تتناسب مع الأسعار، بل ينبغي أن تراعي الكلفة الفعلية للمعيشة، وأن تعمل على إدخال السلع بكميات كافية، وفتح المعابر، وضبط الأسواق، ودعم العائلات بمبالغ تحفظ كرامتها وتمنحها فرصة حقيقية للبقاء.
