الكرفانات الوهمية: حين تتحول معاناة أهل غزة إلى مشروع لجمع التبرعات
محمد حرارة
7/1/20261 min read


أن تدّعي مؤسسة خيرية أنها أطلقت مشروعاً لتصنيع الكرفانات محلياً في قطاع غزة، وأنها بدأت بالفعل في توفير الإيواء للأسر التي تعيش في الخيام، فذلك لا يمكن وصفه إلا بأنه تضليل للرأي العام واستغلال لحاجة الناس الملحّة إلى المأوى.
صحيح أن قطاع غزة لا يفتقر إلى الكفاءات البشرية أو الكوادر الفنية القادرة على العمل والتصنيع، لكن امتلاك الخبرة وحده لا يعني أن المشروع قابل للتنفيذ على نطاق حقيقي، أو أنه يستطيع توفير حل يستفيد منه حتى 10% من المحتاجين.
المشكلة الأساسية تكمن في عدم توفر المواد الخام اللازمة لصناعة الكرفانات، وهي مواد تمنع إسرائيل دخولها إلى قطاع غزة منذ نحو عامين. أما الكميات القليلة المتبقية من الحديد والخشب ومواد التبطين والأسقف وأسياخ اللحام والمواد العازلة، والتي نجت من القصف والدمار، فقد ارتفعت أسعارها إلى ما يقارب عشرين ضعفاً مقارنة بأسعارها الطبيعية.
وحتى لو جُمعت جميع المواد الخام المتوفرة حالياً من مختلف مناطق قطاع غزة، فإنها لن تكفي، وفق التقديرات المطروحة، لصناعة أكثر من مئة كرفان، في حين أن عدد الأسر والأفراد الذين يعيشون في الخيام أو في العراء يحتاج إلى أكثر من 150 ألف كرفان.
وهنا يظهر الفارق الكبير بين مشروع حقيقي قادر على إحداث أثر ملموس، وبين حملة إعلامية هدفها تصوير عدد محدود من الكرفانات وتقديمها باعتبارها حلاً لأزمة الإيواء في غزة.
قد تنجح المؤسسة في تصنيع عشرة كرفانات لاستخدامها في التصوير والترويج الإعلامي، وربما تتجاوز تكلفتها 50 ألف دولار بسبب الارتفاع الجنوني في أسعار المواد. وبعد ذلك تُوزع على مجموعة محدودة من المستفيدين، بينما تُستخدم الصور والمقاطع المصورة في حملات جمع تبرعات قد تصل عائداتها إلى ملايين الدولارات.
إن ترديد عبارة «الكرفانات هي الحل» على ألسنة الأهالي الذين يرتجفون من البرد داخل الخيام لا يجعل المشروع واقعياً، ولا يمنح المؤسسات الحق في ركوب موجة معاناة الناس وتسويق مشاريع لا تمتلك المواد أو الإمكانات اللازمة لتنفيذها على نطاق يتناسب مع حجم الكارثة.
الأصل في العمل الخيري أن يقوم على الشفافية والواقعية، وأن يوضح للمتبرعين عدد الوحدات التي يمكن تصنيعها فعلياً، وتكلفة كل وحدة، ومصادر المواد المستخدمة، وآلية اختيار المستفيدين، وحجم ما يمثله المشروع مقارنة بالاحتياج الحقيقي.
أما تقديم عشرات الكرفانات على أنها مشروع إيواء واسع، في الوقت الذي يحتاج فيه أهل غزة إلى عشرات الآلاف منها، فهو تضخيم إعلامي لا يعالج الأزمة، بل يحوّل معاناة الناس إلى مادة دعائية ووسيلة لزيادة أرصدة التبرعات.
أهل غزة لا يحتاجون إلى مشاريع مصممة من أجل الكاميرات، بل إلى حلول حقيقية تتناسب مع حجم الدمار وعدد النازحين. كما يحتاج المتبرعون إلى معرفة أين تذهب أموالهم، وما إذا كانت تُنفق على مشاريع قابلة للتنفيذ، أم على حملات دعائية تُنتج صوراً أكثر مما تُنتج مأوى.